التداول-و-الاستثمار

عند تزايد الفائض المالي لدينا، أو الحصول على مبلغ غير متوقع من إرث أو ما شابه، غالباً ما نبدأ بالتفكير بكيفية الاستفادة من هذه المدخرات، ما يؤدي للبحث عن الطريقة الأنسب لتنمية هذه المبالغ وحمايتها من التضخم الذي يفقدها قيمتها طالما بقيت ساكنة.

أثناء هذا البحث يبرز التداول والاستثمار، ولكن الخلط بينهما وعدم فهم غاية وطريقة عمل كل منهما تؤدي كثيراً إلى خسائر غير مرغوبة، أو على الأقل عدم تحقيق الهدف المرجو.

ما هو الاستثمار؟

يستحدم مصطلح الاستثمار للتعبير عن مختلف الأنشطة التي تتضمن تخصيص الأموال لامتلاك كامل أو حصة من أصول أو مشاريع تستهدف تحقيق نمو مستمر وعوائد مالية على مدى سنوات أو عقود. يشمل هذا النوع من الاستثمار شراء العقارات، أو الاستثمار في الشركات الناشئة، أو امتلاك أسهم في شركات مستقرة ذات إمكانيات نمو مستقبلية. يتميز الاستثمار بالتركيز على بناء الثروة بدلاً من تحقيق أرباح سريعة، والحاجة للصبر والتخطيط الاستراتيجي لتجاوز تقلبات السوق والاستفادة من التراكم التدريجي للعوائد.

بشكل عام، الاستثمار هو أي استراتيجية مالية طويلة الأجل يضع فيها الأفراد أموالهم في أصول مثل الأسهم والسندات والعقارات بهدف تحقيق نمو على المدى البعيد، ويعتمد الاستثمار على تحقيق النمو المالي التدريجي، وهدفه الأساسي هو بناء الثروة بمرور الوقت من خلال اختيار أصول ذات إمكانات عالية لزيادة قيمتها أو تحقيق عوائد مستقرة.

على سبيل المثال، عند شراء أسهم في شركات مستقرة مثل آبل أو مايكروسوفت، فإنك تأمل في أن ترتفع قيمتها بمرور السنوات، مما يمكنك من بيعها لاحقاً بسعر أعلى. وبالمثل، فإن شراء عقار في منطقة صاعدة يمكن أن يكون استثماراً جيداً، حيث تميل قيم العقارات إلى الارتفاع مع مرور الوقت.

كيف يحقق الاستثمار أرباحه؟

أياً كان نوع الاستثمار، هناك عدة أنواع من الأرباح يمكن تحقيقها: زيادة رأس المال، والأرباح الوزعة، والعوائد من الفوائد، والإيجار.

  • زيادة رأس المال

أو ما يعرف باسم العوائد الرأسمالية (Capital Gains)، وهي الأرباح الناجمة عن ارتفاع قيمة الأصل بمرور الوقت. على سبيل المثال، إذا اشتريت منزلاً مقابل 200 ألف دولار وبعته بعد عشر سنوات مقابل 300 دولار، فقد ربحت من ارتفاع القيمة. ينطبق الأمر نفسه على الأسهم، حيث يمكن لنجاح الشركة أن يؤدي إلى ارتفاع سعر السهم.

  • الأرباح الموزعة

بعض الشركات تدفع للمساهمين جزءاً من أرباحها على شكل توزيعات نقدية، ويتم ذلك على شكل مبالغ مالية أو أحياناً حين يترافق مع توسعة لرأس المال يأتي على شكل أسهم إضافية يتم تحديد عددها وفقاً لعدد الأسهم التي يملكها المستثمر.

  • العوائد من الفوائد

توفر السندات وحسابات التوفير عوائد من الفوائد بمرور الوقت. عند الاستثمار في السندات الحكومية، تتلقى مدفوعات فائدة منتظمة حتى استحقاق السند، والأمر نفسه بالنسبة لبعض الحسابات البنكية التي ترتفع فوائدها بارتفاع المبلغ المودع والمدّة الزمنية التي يقبل المستثمر بحجز المبلغ خلالها بدون القدرة على تحريكه.

  • دخل الإيجار

توفر الاستثمارات العقارية، مثل العقارات المؤجرة، دخلاً شهرياً ثابتاً من المستأجرين إلى جانب ارتفاع قيمة العقار بمرور الوقت. يفضل العديد من المستثمرين شراء عقارات في مناطق ذات طلب مرتفع لضمان دخل إيجاري مستدام ريثما يرتفع سعر العقار بما يكفي لتحقيق الأرباح المرغوبة.

فوائد الاستثمار

يعد الاستثمار خياراً مثالياً للأشخاص الذين يرغبون في تنمية ثرواتهم دون الحاجة إلى متابعة الأسواق يومياً، وذلك للميزات التي تجعله ملائماً لتحقيق هذا النوع من الأهداف:

  • النمو التراكمي

إعادة استثمار الأرباح يساعد على نمو الأموال بشكل متزايد بمرور الوقت، حيث يمكن أن تتحول استثمارات صغيرة اليوم إلى مبالغ كبيرة في المستقبل. بمعنى أن الاستثمار الذي يدرّ أرباحاً وسطية تبلغ 2% في العام، إن بدأ بمبلغ 100 ألف دولار، فإن أرباحه بعد عشرة أعوام لن تكون 110 آلاف، إنما حوالي 122,000.

معادلة حساب النمو التراكمي:
A=P×(1+r)t

A: المبلغ النهائي
P: الاستثمار الأولي
r: الفائدة السنوية
t: عدد السنوات

  • ضغط أقل

بما أن الاستثمار يركز على المدى الطويل، فإن المستثمرين لا يحتاجون إلى القلق بشأن تقلبات السوق اليومية، ولا يضطرون لمتابعة الأخبار بشكل مستمر، باستثناء حالات الانهيار أو الصعود المفاجأة التي تحصل مرة كل عدة سنوات، كما إن الاستثمار على المدى الطويل بهذا الشكل غالباً ما يترافق مع تغييرات بسيطة تحصل كل فترة، ولكنها لا تتطلب التقاط التغييرات التي قد يشهدها السوق في مواعيد دقيقة.

  • التنويع

تنويع الأصول المستثمرة مهم سواءً في التداول أو الاستثمار، ولكنه في الاستثمار يعد أكثر فائدة لكونه يؤدي لتنوع في مصادر الدخل على المدى الطويل، خصوصاً حين يكون في أصول أو قطاعات متنافسة بشكل أو بآخر، بعكس حركات السوق قصيرة الأجل التي تؤثر على مختلف أنواع الأصول في الوقت نفسه، وبالتالي تحد من فوائد التنويع في تحييد المخاطر.

ما هو التداول؟

التداول هو نهج أكثر نشاطاً يتضمن شراء وبيع الأصول بشكل متكرر للاستفادة من التقلبات السعرية قصيرة الأجل. على عكس الاستثمار، الذي يركز على النمو طويل الأجل، يسعى التداول إلى تحقيق أرباح سريعة من خلال استغلال تحركات السوق.

على سبيل المثال، يمكن للمتداول شراء بيتكوين بسعر 40,000 دولار ثم بيعه بعد ساعات قليلة عندما يرتفع إلى 42,000 دولار. يتطلب هذا النهج السريع مراقبة مستمرة واتخاذ قرارات فورية. يعتمد المتداولون على اتجاهات السوق والتحليل الفني والأخبار الاقتصادية لاتخاذ قرارات مدروسة.

استراتيجيات التداول الشائعة

  • التداول الخاطف (Scalping)

يقوم المتداولون بإجراء العديد من الصفقات السريعة خلال دقائق للاستفادة من تغيرات سعرية صغيرة. تتطلب هذه الاستراتيجية تركيزاً عالياً وقدرة على التصرف بسرعة، كما تعتمد غالباً على أدوات التداول المؤتمتة، مثل روبوتات التداول والتداول عالي التردد.

  • التداول اليومي (Daily Trading)

يتم فتح وإغلاق المراكز خلال نفس اليوم لتجنب مخاطر تقلبات السوق الليلية، إضافة لتجنب بعض الرسوم التي تترتب على الاحتفاظ بالأصول لأكثر من يوم كما هي الحال باالنسبة لأزواج العملات الأجنبية مثلاً، تحظى هذه الطريقة بشعبية في أسواق الأسهم والفوركس والعملات الرقمية.

  • التداول المتأرجح (Swing Trading)

يحتفظ المتداولون بالمراكز لعدة أيام أو أسابيع للاستفادة من التحركات المتوسطة الأجل للأسعار. هذه الاستراتيجية أقل كثافة من التداول اليومي ولكنها تتطلب ذات المعرفة الواسعة والمتابعة المستمرة للأسواق.

سلبيات التداول

رغم أن التداول يمكن أن يكون مربحاً أكثر من الاستثمار، إلا أن ذلك يترافق مع بعض الجوانب السلبية:

  • مخاطر عالية

يمكن أن تؤدي تقلبات السوق إلى خسائر كبيرة إذا لم يتم التعامل معها بحذر، حيث يعتمد التداول بشكل كبير على الرافعة المالية والتداول على الهامش وغيرها من الأدوات التي تتيح تداول أصول أكبر من رأس المال الذي يملكه المتداول لتحقيق الأرباح المرجوة، الأمر الذي يعني أن الخسائر قد تبلغ كامل المبلغ المستثمر، وإنم لم تهبط قيمة الأصول المتداولة إلى الصفر.

  • يحتاج إلى مراقبة مستمرة

على عكس الاستثمار، يتطلب التداول متابعة نشطة للأسواق واتخاذ قرارات سريعة، لذلك غالباً ما تتم معاملة التداول كعمل، وإن بدوام جزئي على الأقل، إذ يتطلب مراقبة مستمرة، والتزاماً بساعات التداول الخاصة بالعديد من الأصول، مثل الأسهم والفوركس، وبحثاً مستمراً لرصد التغيرات التي قد تطرأ على موقف السوق من مختلف الأصول.

  • إجهاد عاطفي

في ظل احتكاك المتداول المتواصل مع السوق، يمكن أن تكون تحركات السوق السريعة مرهقة، وكثيراً ما يؤدي الإجهاد العاطفي إلى اتخاذ قرارات متسرعة تتسبب بخسائر إضافية، سواءً بهدف تفادي الخسائر، أو بهدف ركوب موجة مفاجئة في السوق خوفاً من تفويت الأرباح.

الفرق بين الاستثمار والتداول

  • الغاية

يكمن الفارق الأساسي بين الاستثمار والتداول في الغاية من كل منهما، فالاستثمار يهدف إلى بناء الثروة على المدى الطويل من خلال نمو قيمة الأصول، مثل الأسهم أو العقارات، والاستفادة من العوائد المستمرة، كما يهدف إلى حماية قيمة الأموال التي يملكها الشخص أو الشركة، المحكومة بالهبوط بسبب التضخم، وبالتالي يتم الحفاظ على قيمتها أو زيادتها عبر الأرباح المتراكمة. في المقابل، يهدف التداول إلى تحقيق دخل مستمر أو أرباح سريعة من خلال الاستفادة من تحركات الأسعار قصيرة الأجل، ما يعني أن حجم الثروة قد يظل نفسه إن لم تتم إضافة الأرباح المتحققة إلى رأس المال المُستثمر.

  • الإطار الزمني

يُعتبر الاستثمار نهجاً طويل الأجل، حيث يمتد لفترات تتراوح بين عدة سنوات إلى عقود. يعتمد المستثمرون على تحقيق النمو التدريجي لقيمة أصولهم مع مرور الوقت، مستفيدين من العوائد التراكمية. على النقيض من ذلك، فإن التداول يتمحور حول فترات زمنية قصيرة جداً مقارنة بالاستثمار، تتراوح بين دقائق أو حتى ثوانٍ، كما هي حال التداول عالي التردد، إلى أسابيع، حيث يهدف المتداولون إلى استغلال التقلبات السعرية السريعة لتحقيق أرباح فورية.

  • مستوى المخاطر

عادةً ما يكون الاستثمار أقل خطورة مقارنةً بالتداول، إذ يراهن المستثمرون على استقرار ونمو الشركات أو الأصول على المدى الطويل، ما يجعلهم أقل عرضة لتقلبات السوق العابرة. أما التداول، فينطوي على مستوى عالٍ من المخاطر، نظراً لاعتماده على تحركات السوق اليومية السريعة، حيث يمكن أن تؤدي قرارات خاطئة إلى خسائر كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة.

  • استقرار الأرباح

تتسم أرباح الاستثمار بالاستقرار النسبي، نظراً لاعتماده على النمو التدريجي للأصول وتوزيعات الأرباح التي توفرها بعض الشركات. في المقابل، تكون أرباح التداول أقل استقراراً، إذ تعتمد على نجاح الصفقات الفردية، والتي قد تؤدي إلى تحقيق مكاسب سريعة أو خسائر مفاجئة بناءً على تقلبات السوق، ما يعني أن الأرباح التي يحققها المتداول شهرياً قد تختلف من شهر لآخر، بل وقد تنقلب إلى خسائر في بعض الأوقات.

  • الجهد المطلوب

باستثناء المراحل الأولى منه، لا يتطلب الاستثمار جهداً كبيراً ومتواصلاً، إذ لا حاجة لمتابعة الأسواق بشكل يومي، فالاستثمار يعتمد على التحليل طويل الأجل واتخاذ قرارات استراتيجية عند الحاجة. في المقابل، يتطلب التداول جهداً كبيراً ومتابعة مستمرة، حيث يحتاج المتداولون إلى مراقبة السوق بشكل نشط واتخاذ قرارات سريعة للاستفادة من الفرص المتاحة، كما يتطلب غالباً الوصول لأدوات وقواعد بيانات غير متاحة للعموم للوصول إلى المعلومات اللازمة لتوقع التحركات القريبة للسوق.

  • تحليل السوق

يركز المستثمرون على تحليل أداء الشركات والاتجاهات الاقتصادية العامة، مثل معدلات النمو، والتقارير المالية، والسياسات النقدية. أما المتداولون، فيعتمدون بشكل أساسي على التحليل الفني، الذي يتضمن دراسة الرسوم البيانية، والأنماط السعرية، والمؤشرات الفنية لاتخاذ قرارات فورية بناءً على تحركات الأسعار قصيرة الأجل. بكلمات أبسط، الاستثمار يحتاج تحليلاً للأصول نفسها، بينما التداول يحتاج تحليلاً للأسواق والمتداولين الآخرين.

كيف تختار بين التداول والاستثمار؟

عند تحديد ما إذا كان التداول أو الاستثمار هو الخيار الأفضل لك، يجب مراعاة العوامل التالية:

  • القدرة على المخاطرة

إذا كنت تفضل تجنب التقلبات العالية وتبحث عن استثمار مستقر ينمو بمرور الوقت، فإن الاستثمار قد يكون الخيار الأنسب. أما إذا كنت قادراً على تحمل المخاطر ومستعداً للتعامل مع تقلبات السوق، فقد يكون التداول أكثر جاذبية

  • وقت الفراغ

يتطلب التداول متابعة مستمرة للأسواق واتخاذ قرارات سريعة، ما يجعله غير مناسب للأشخاص الذين لديهم أعمال أخرى أو مسؤوليات تمنعهم من التفرغ له. في المقابل، يمكن للاستثمار أن يكون أكثر مرونة لأنه لا يتطلب متابعة دائمة.

  • حجم رأس المال

يحتاج التداول غالباً إلى رأس مال أكبر لتحقيق أرباح مجدية، بالإضافة إلى أن بعض استراتيجيات التداول تتطلب استخدام الرافعة المالية، مما يزيد من المخاطر. أما الاستثمار، فيمكن أن يبدأ بمبالغ صغيرة ويعتمد على النمو التدريجي بمرور الوقت، كما يمكنك أن تضيف مبالغ بسيطة لاستثماراتك كل ما تسنى لك ذلك.

تفعيل الإشعارات موافق لا، شكراً